الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
84
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وفي ختام الآية إنذار وتهديد بمعاقبة الذين ينكرون هذه الرسالة الخاصة ويكفرون بها عنادا ، فتقول : إن الله لا يهدي القوم الكافرين . أسلوب هذه الآية ، ولحنها الخاص ، وتكرر توكيداتها ، وكذلك ابتداؤها بمخاطبة الرسول يا أيها الرسول التي لم ترد في القرآن الكريم سوى مرتين ، وتهديده بأن عدم تبليغ هذه الرسالة الخاصة إنما هو تقصير - وهذا لم يرد إلا في هذه الآية وحدها - كل ذلك يدل على أن الكلام يدور حول أمر مهم جدا بحيث أن عدم تبليغه يعتبر عدم تبليغ للرسالة كلها . لقد كان لهذا الأمر معارضون أشداء إلى درجة أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان قلقا لخشيته من أن تلك المعارضة قد تثير بعض المشاكل بوجه الإسلام والمسلمين ، ولهذا يطمئنه الله تعالى من هذه الناحية . هنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي - مع الأخذ بنظر الاعتبار تأريخ نزول هذه الآية - وهو قطعا في أواخر حياة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - : ترى ما هذا الموضوع المهم الذي يأمر الله رسوله - مؤكدا - أن يبلغه للناس ؟ هل هو مما يخص التوحيد والشرك وتحطيم الأصنام ، وهو ما تم حله للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وللمسلمين قبل ذلك بسنوات ؟ أم هو مما يتعلق بالأحكام والقوانين الإسلامية ، مع أن أهمها كان قد سبق نزوله حتى ذلك الوقت ؟ أم هو الوقوف بوجه أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، مع أننا نعرف أن هذا لم يعد مشكلة بعد الانتهاء من حوادث بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع وخيبر وفدك ونجران ؟ أم كان أمرا من الأمور التي لها صلة بشأن المنافقين ، مع أن هؤلاء قد طردوا من المجتمع الإسلامي بعد فتح مكة ، وامتداد نفوذ المسلمين وسيطرتهم على أرجاء الجزيرة العربية كافة ، فتحطمت قوتهم ، ولم يبق عندهم إلا ما كانوا يخفونه مقهورين ؟